حملت زيارة رئيس أنغولا جواو لورنسو إلى الجزائر أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ عكست توجّه البلدين نحو بناء شراكة استراتيجية أوسع تقوم على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي والتكامل الإفريقي.
الزيارة، التي استمرت ثلاثة أيام بدعوة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، انتهت بتوقيع 11 اتفاقية تعاون شملت قطاعات الطاقة والنقل الجوي والصناعة الدوائية والزراعة والتكنولوجيا والتعليم والتكوين المهني، إلى جانب إعلان مشترك حول تأسيس “شراكة استراتيجية شاملة”.
تعاون اقتصادي يتجاوز النفط
ورغم أن الجزائر وأنغولا تُعدان من أبرز الدول الإفريقية المنتجة للمحروقات، فإن الزيارة عكست رغبة مشتركة في توسيع التعاون خارج قطاع النفط التقليدي.
وأكد تبون أن الاتفاقيات الجديدة ستفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في مجالات الطاقات المتجددة، والصناعة الصيدلانية، والرقمنة، والزراعة، إلى جانب إنشاء مجلس أعمال مشترك وإطلاق خط جوي مباشر بين الجزائر والعاصمة الأنغولية لواندا اعتبارًا من يوليو المقبل.
ويبدو أن الجزائر تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توسيع نفوذها الاقتصادي داخل إفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدة من موقعها كمصدر رئيسي للطاقة وبوابة لشمال إفريقيا. في المقابل، تبحث أنغولا عن شركاء أفارقة جدد يدعمون إستراتيجية تنويع اقتصادها الذي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط.
وبحسب بيانات مركز التجارة الدولية، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين ظل محدودًا عند نحو 1.4 مليون دولار خلال عام 2024، ما يشير إلى أن الاتفاقيات الجديدة تستهدف أساسًا بناء قاعدة تعاون طويلة المدى أكثر من تعزيز أرقام التبادل الحالية فقط.
أبعاد سياسية وإفريقية
سياسيًا، حملت الزيارة رسائل تتعلق بتعزيز التنسيق الإفريقي في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها القارة.
وأكد البيان المشترك تطابق مواقف البلدين بشأن دعم السلم والاستقرار الإقليمي، وتعزيز التكامل القاري عبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ودعم الحلول السلمية للنزاعات الإفريقية.
كما تعكس الزيارة تقاربًا بين دولتين تمتلكان ثقلًا سياسيًا وطاقويًا داخل القارة؛ فالجزائر تسعى إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي الإفريقي خلال السنوات الأخيرة، بينما تلعب أنغولا دورًا متناميًا في ملفات الأمن والطاقة في إفريقيا الجنوبية والوسطى.
تحويل الروابط التاريخية إلى شراكة استراتيجية
وترى أوساط سياسية وإعلامية أن الزيارة تمثل محاولة لتحويل العلاقات التاريخية التي تعود إلى مرحلة حركات التحرر الإفريقية ومناهضة الاستعمار إلى شراكة اقتصادية وسياسية أكثر عملية.
وقد حملت الزيارة رمزية خاصة، باعتبارها الأولى لرئيس أنغولي إلى الجزائر، حيث شملت زيارة مقام الشهيد والمتحف الوطني للمجاهد تكريمًا لتاريخ الثورة الجزائرية، إضافة إلى لقاءات سياسية واقتصادية وبرلمانية موسعة.
ووصف السفير الأنغولي لدى الجزائر توكو دياكينغا سيراو الزيارة بأنها خطوة مهمة لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والتعليم العالي والتكوين التقني والتنسيق السياسي والدبلوماسي.
وفي المحصلة، تبدو الزيارة جزءًا من توجه إفريقي أوسع نحو بناء شراكات جنوب–جنوب أكثر استقلالًا عن القوى الخارجية، مع التركيز على التكامل الاقتصادي، والاستثمار المشترك، وتوسيع شبكات التعاون داخل القارة.
نقلا عن الجزيرة

