نقلا عن افريكا ريبورت
تُحدث مصفاة دانغوتي للبترول تحولًا سريعًا في وضع نيجيريا، إذ تنقلها من دولة تعتمد على استيراد المنتجات النفطية إلى قوة إقليمية صاعدة، مستفيدة من طاقتها التشغيلية الكاملة البالغة 650 ألف برميل يوميًا لإعادة تشكيل أمن الطاقة في إفريقيا، في وقت تتعرض فيه سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات متزايدة.
وتسرّع المصفاة من وتيرة تحولها إلى مركز إقليمي لتوريد الوقود، مع صفقات تصدير جديدة تؤكد دورها المتنامي في القارة، بالتزامن مع التوترات في الشرق الأوسط واضطرابات البحر الأحمر التي تعيد رسم مسارات تدفق المنتجات النفطية نحو إفريقيا.
وأعلنت المصفاة يوم الاثنين أن التجار نجحوا في بيع 12 شحنة، بإجمالي 456 ألف طن من المنتجات المكررة—معظمها من البنزين—على أساس التسليم على ظهر السفينة (FOB)، إلى مشترين دوليين يزوّدون كلًا من كوت ديفوار، والكاميرون، وتنزانيا، وغانا، وتوغو.
وتعكس هذه الشحنات موجة جديدة من الصادرات، بعد أن وصلت المصفاة إلى طاقتها التشغيلية القصوى البالغة 650 ألف برميل يوميًا في فبراير الماضي.
من مستورد ضخم إلى مصدر إقليمي
على مدى عقود، كانت نيجيريا واحدة من أكبر مستوردي المنتجات النفطية المكررة في العالم، رغم امتلاكها ثروة كبيرة من النفط الخام.
غير أن منشأة دانغوتي—وهي الأكبر في إفريقيا—بدأت في تغيير هذا الواقع، سواء على المستوى المحلي أو القاري.
فالمصفاة، التي تبلغ تكلفتها 20 مليار دولار والمملوكة لرجل الأعمال أليكو دانغوتي، أصبحت بسرعة موردًا رئيسيًا للبنزين والديزل بمعايير “يورو 5” في غرب إفريقيا، وهي منطقة اعتمدت طويلًا على الواردات من أوروبا والشرق الأوسط والهند.
وفي ديسمبر 2024، أعلنت مجموعة دانغوتي أنها صدّرت البنزين إلى الكاميرون وغانا وأنغولا وجنوب إفريقيا، إلى جانب دول أخرى.
وتُظهر بيانات “إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس” أن نحو 38.3 مليون برميل من منتجات دانغوتي وصلت إلى الأسواق العالمية بين يناير وأكتوبر 2024، استحوذت غرب إفريقيا على نحو 38% منها، أي ما يعادل 14.5 مليون برميل.
وتقول فيكتوريا غرابنفيغر، محللة أبحاث النفط الخام في شركة “كبلر”، إن “معظم بنزين دانغوتي في عام 2025 تم بيعه محليًا، بما يتماشى مع الهدف الأساسي للمصفاة المتمثل في تقليل اعتماد نيجيريا على واردات الوقود”، مضيفة أن “كميات إضافية تم توريدها إلى أسواق غرب إفريقيا، بما في ذلك كوت ديفوار وغانا”.
ومن المتوقع أن يضاعف المشروع طاقته التكريرية إلى أكثر من 1.4 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2028، وهو ما سيضعه ضمن أكبر مراكز التكرير في العالم.
صدمات الشرق الأوسط وإعادة تشكيل خريطة الوقود
يأتي توسع صادرات المصفاة في إفريقيا في وقت تؤدي فيه الهجمات التي تستهدف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى اضطراب تجارة المنتجات النفطية المكررة عالميًا.
وقال غاري كلارك، المدير التحريري المشارك لمنتجات الوقود المكرر في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى “إس آند بي غلوبال إنرجي”، خلال ندوة إلكترونية الأسبوع الماضي: “تنتج مصفاة دانغوتي كميات تفوق احتياجات نيجيريا من الديزل وزيت الغاز. وعندما تصدّر، تبقى هذه الكميات عادة داخل غرب إفريقيا، لكنها تصل أيضًا إلى مناطق أخرى”.
وأشار إلى أن غرب إفريقيا لا تزال تستورد منتجات مثل الديزل والبنزين من آسيا وروسيا وأوروبا.
وأضاف: “تمتلك مصفاة دانغوتي القدرة على إنتاج كميات كافية من وقود الطائرات والديزل للمنطقة، وهو أمر إيجابي من ناحية أمن الإمدادات. لكن بالنسبة للبنزين، لا تزال هناك فجوة تعتمد على الواردات في غرب إفريقيا”.
وفي عام 2025، تم بيع معظم بنزين دانغوتي داخل نيجيريا، بما يتسق مع هدف تقليل الاعتماد على الاستيراد.
وإذا احتاجت دول غرب إفريقيا إلى استيراد كميات إضافية من البنزين، فستجد نفسها مضطرة بشكل متزايد إلى منافسة الأسواق الآسيوية—وربما الولايات المتحدة—على الشحنات الأوروبية.
كما أشار كلارك إلى أن إمدادات وقود الطائرات والديزل هي الأكثر تأثرًا على المدى القصير بالاضطرابات في مضيق هرمز.
“التكرير أولًا”... ضرورة إفريقية
من جانبه، قال أنيبور كراها، الأمين التنفيذي لرابطة المكررين والموزعين الأفارقة، إن الطلب على الطاقة في إفريقيا مرشح للارتفاع بنسبة تتراوح بين 55% و60% بحلول عام 2040.
وأوضح: “الخلاصة أن 90% إلى 95% من الأفارقة لن يروا برميل نفط خام في حياتهم، لكنهم سيحتاجون إلى البنزين والديزل وغاز الطهي”.
وأضاف: “لهذا أقول: فلنُكرّر النفط—لأنه يجب إضافة قيمة إلى الخام”.
وأشار إلى بيانات شركة “ماكينزي” التي تفيد بأن إفريقيا تحتاج إلى ما يعادل ست مصافٍ إضافية بحجم مصفاة دانغوتي لتلبية الطلب المتوقع، في حين تقدّر منظمة “أوبك” الحاجة إلى إضافة 3.2 مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير.
وأكد كراها أن النمو السكاني السريع سيكون محركًا رئيسيًا للطلب، محذرًا من أن “عدم زيادة طاقات التكرير سيؤدي إلى استمرار الاعتماد على الواردات واستنزاف العملات الأجنبية”.
ودعا إلى تبني مزيج من الاستراتيجيات، تشمل إنشاء مراكز تكرير إقليمية كبرى—مثل توسيع مصفاة “سار” في السنغال—إلى جانب حلول أصغر محلية لمعالجة النفط الخام غير المستغل.
وختم بالقول إن الهدف يتمثل في “بناء سوق نفط وغاز إفريقية متكاملة وقوية، تضمن أمن الطاقة وتلبي الطلب المتزايد على المنتجات البترولية”.
