نقل عن افريكا ريبورت
ما تصفه واشنطن بإعادة ضبط لسياسات المساعدات، تنظر إليه بعض الحكومات والنشطاء في أفريقيا باعتباره شروطاً جديدة مرفقة، تتراوح بين مصالح في قطاع التعدين وصولاً إلى السيطرة على البيانات الصحية.
عندما أطلقت إدارة دونالد ترامب استراتيجية “أمريكا أولاً للصحة العالمية”، قال مسؤولون في واشنطن إنها تهدف إلى العودة إلى الأساسيات: قواعد أوضح، مسؤولية مشتركة، وضمان أن تحمي المساعدات الصحية الأمريكية الأمريكيين أيضاً في الداخل.
ضخت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار في برامج الصحة العالمية منذ عام 2001، دعماً لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، والوقاية من الملاريا، وأنظمة رصد الأمراض في أفريقيا وخارجها. لكن المزاج تغيّر. فما كان يُقدَّم سابقاً بلغة التضامن، بات الآن يأتي بشروط أكثر صرامة وتوقعات أوضح.
اعتراضات في زامبيا وزيمبابوي
في بعض أنحاء أفريقيا، جاء الرد متحفظاً. فقد أوقفت زامبيا محادثات بشأن اتفاق صحي مع الولايات المتحدة بعد ربطه بالتعاون في مجالي النحاس والكوبالت. أما زيمبابوي فانسحبت من اتفاق بسبب بنود تلزمها بالمشاركة السريعة لبيانات مسببات الأمراض. وفي كينيا، علّقت المحكمة العليا أجزاءً من إطار تعاون صحي بسبب مخاوف تتعلق بكيفية التعامل مع البيانات الصحية للمواطنين.
في المقابل، وقّعت أكثر من اثنتي عشرة حكومة أخرى، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوركينا فاسو، على الاتفاقات.
فلماذا تعترض بعض الحكومات بينما تمضي أخرى قدماً؟
نهج مختلف للمساعدات الصحية
تنقل استراتيجية “أمريكا أولاً للصحة العالمية” المساعدات الأمريكية بعيداً عن القنوات متعددة الأطراف نحو اتفاقات مباشرة ومتعددة السنوات مع حكومات فردية.
تؤكد واشنطن التزامها بمكافحة الإيدز والسل والملاريا وشلل الأطفال، مع إعطاء أولوية لصحة الأم والطفل، والمراقبة الوبائية، والاستعداد لتفشي الأمراض. لكن نموذج التنفيذ يتغير.
بموجب الإطار الجديد:
-
ستنتقل المشتريات الطبية تدريجياً من قيادة أمريكية إلى سيطرة وطنية، مع استثمارات مشتركة مرحلية.
-
سيتم دمج العاملين الصحيين الممولين أمريكياً ضمن كشوف رواتب الحكومات بمرور الوقت.
-
ستُوسَّع أنظمة البيانات وتُرقمن لتحسين تتبع الأمراض والتفشيات.
-
سيُلزم الاستثمار المشترك الدول بزيادة إنفاقها المحلي على الصحة.
-
ستربط حوافز الأداء التمويل بأهداف صحية قابلة للقياس.
يقول مسؤولون أمريكيون إن ذلك يعزز الاعتماد على الذات ويحمي أموال دافعي الضرائب، ويساعد الدول على بناء أنظمة مستدامة. كما يعكس رؤية أمنية أقوى، تشمل تعزيز أنظمة المراقبة والإبلاغ لمنع تفشيات مستقبلية من الانتشار عالمياً.
لكن منتقدين يرون أن هذا الهيكل يمنح واشنطن نفوذاً أكبر في كيفية هيكلة الميزانيات الصحية وإدارة البيانات وقياس التقدم، ما يعزز الشعور في بعض العواصم بأن الشراكة باتت تقترن برقابة أوثق وشروط أشد.
المعادن والبيانات والمحاكم
كان الاعتراض الأبرز في زامبيا وزيمبابوي وكينيا، وإن اختلفت الدوافع.
في زامبيا، تعثرت مفاوضات حول اتفاق صحي بقيمة مليار دولار بعد ربط التمويل بالتعاون في مجال النحاس والكوبالت. بالنسبة لكثيرين في لوساكا، كان ذلك تجاوزاً للخط الأحمر، إذ وجد برنامج لمكافحة الإيدز والملاريا نفسه مقترناً بنقاشات حول معادن استراتيجية.
في زيمبابوي، انسحبت الحكومة من اتفاق بقيمة 367 مليون دولار بسبب بنود تلزمها بالمشاركة السريعة لبيانات مسببات الأمراض دون ضمانات واضحة بشأن كيفية استخدام هذه المعلومات أو ما الذي ستحصل عليه زيمبابوي بالمقابل. ووصف مسؤولون ذلك بأنه “تبادل غير متكافئ”، في ظل إرث من انعدام الثقة تعمق خلال جائحة كوفيد.
أما في كينيا، فقد علّقت المحكمة العليا جزئياً إطار تعاون صحي تزيد قيمته على 1.6 مليار دولار، مع تقديرات تضع الترتيب الأوسع قرب 2.5 مليار دولار. وتتركز القضية حول كيفية نقل وإدارة بيانات الصحة والمعلومات الشخصية للمواطنين، في بلد يُثار فيه جدل حاد حول الحقوق الرقمية.
لماذا وقّعت بعض الحكومات؟
ليست كل العواصم الأفريقية متوجسة.
ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، وُقِّعت اتفاقات مع بوتسوانا، بوركينا فاسو، بوروندي، الكاميرون، كوت ديفوار، إسواتيني، إثيوبيا، كينيا (بانتظار مراجعة قضائية)، ليسوتو، ليبيريا، مدغشقر، ملاوي، موزمبيق، نيجيريا، رواندا، سيراليون وأوغندا.
وقّعت جمهورية الكونغو الديمقراطية شراكة بقيمة 1.2 مليار دولار تغطي الإيدز والسل والملاريا وصحة الأم، تجمع بين المساعدة الأمريكية وزيادة الإنفاق المحلي.
كما وافقت بوركينا فاسو على مذكرة تفاهم لخمس سنوات، تتعهد فيها بدمج العاملين الممولين أمريكياً تدريجياً ضمن القوى العاملة الوطنية.
بالنسبة لدول تواجه أعباء مرتفعة من الإيدز أو الملاريا وتقلصاً في ميزانيات المساعدات عالمياً، تبقى الالتزامات متعددة السنوات جذابة. كما يمكن تسويق شرط الاستثمار المشترك داخلياً باعتباره خطوة نحو استقلال طويل الأمد.
وقال مسؤول سابق في المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها لمجلة The Africa Report إن الأمر يعتمد إلى حد كبير على السياسة الداخلية. ففي البلدان التي تتماشى فيها الاتفاقات مع خطط الحكومة، تمضي العملية بهدوء. لكن عندما تمس “أعصاباً حساسة” مثل السيطرة على المعادن أو البيانات أو مخاوف السيادة، يظهر الاعتراض سريعاً.
جدل السيادة
يرى منتقدو استراتيجية ترامب أن ربط التمويل الصحي بمصالح استراتيجية – سواء معادن أو اتفاقات ثنائية أوسع – يربك الهدف الأساسي للمساعدات.
ويقول آيس روبنسون، مؤسس شركة “Equity Is the Word”، إن الحكومات الأفريقية تستخلص دروساً من مجالات سياسات أخرى. ويشير إلى أن بعض اتفاقات تبادل البيانات المدعومة من واشنطن بدت مرتبطة بالوصول إلى موارد بيولوجية أو معدنية، ما يغذي الشكوك بأن أطر الصحة العامة قد تتحول إلى بوابات للاستخراج.
ويضيف: “المساعدات الإنسانية يجب أن تركز على البشر المحتاجين. يجب أن تثري الاتفاقات الدول المتلقية وتمكّنها، من خلال تحسين الوصول إلى الدواء وخلق مسارات لثروة وطنية من مواردها”.
ويحذر من أن تجريد الدول من مواردها مع مطالبتها بالمزيد من الالتزامات لا يمكن أن ينجح.
المسؤول السابق في Africa CDC يردد القلق ذاته، مشيراً إلى أن توسيع بنود تبادل البيانات قد يمنح واشنطن وصولاً إلى معلومات وبائية حساسة دون آليات واضحة لتقاسم المنافع.
ويختتم بالقول: “تعمل المساعدات الصحية بأفضل صورة عندما تكون قابلة للتنبؤ ومعزولة عن السياسة. لكن حين تُدرج ضمن مساومات استراتيجية، تصبح الثقة هشة.”
